القرطبي
206
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
العاشرة - قوله تعالى : ( الا عابري سبيل ) يقال : عبرت الطريق أي قطعته من جانب إلى جانب . وعبرت النهر عبورا ، وهذا عبر النهر أي شطه ، ويقال : [ عبر ( 1 ) بالضم ] . والمعبر ما يعبر عليه من سفينة أو قنطرة . وهذا عابر السبيل أي مار الطريق . وناقة عبر أسفار : لا تزال يسافر عليها ويقطع بها الفلاة والهاجرة لسرعة مشيها . قال الشاعر : عيرانة سرح اليدين شملة * عبر الهواجر كالهزف الخاضب ( 2 ) وعبر القوم ماتوا . وأنشد : قضاء الله يغلب كل شئ * ويلعب بالجزوع وبالصبور فإن نعبر فإن لنا لمات * وإن نغبر فنحن على نذور يقول : إن متنا فلنا أقران ، وإن بقينا فلا بد لنا من الموت ، حتى كأن علينا في إتيانه نذورا . الحادية عشرة - واختلف العلماء في قوله : ( إلا عابري سبيل ) فقال علي رضي الله عنه وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم : عابر السبيل المسافر . ولا يصح لاحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال ، إلا المسافر فإنه يتيمم ، وهذا قول أبي حنيفة ، لان الغالب في الماء لا يعدم في الحضر ، فالحاضر يغتسل لوجود الماء ، والمسافر يتيمم إذا لم يجده . قال ابن المنذر : وقال أصحاب الرأي في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء يتيمم الصعيد ويدخل المسجد ويستقي منها ثم يخرج الماء من المسجد . ورخصت طائفة في دخول الجنب المسجد . واحتج بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن ليس بنجس ) . قال ابن المنذر : وبه نقول . وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود وعكرمة والنخعي : عابر السبيل الخاطر المجتاز ، وهو قول عمرو بن دينار ومالك والشافعي . وقالت طائفة : لا يمر الجنب في المسجد إلا ألا يجد بدا فيتيمم ويمر فيه ، هكذا قال الثوري وإسحاق ابن راهويه . وقال أحمد وإسحاق في الجنب : إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد ،
--> ( 1 ) من ج وط وى . وفى ز ، وأ وح . عبر . ( 2 ) العيرانة من الإبل : الناجية في نشاط والسرح : السريعة المشي . وشملة : خفيفة سريعة مشمرة . الهزف : الجافي من الظلمان . أو : الطويل الريش . والخاضب : الظليم إذا أكل الربيع فاحمرت ساقاه وقوادمه .